الشيخ محمد رشيد رضا
413
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) أي ينالهم نصيبهم الذي كتب لهم مدة حياتهم حتى إذا ما انتهى بانتهاء آجالهم وجاءتهم رسلنا يتوفونهم - وهم الملائكة الموكلون بالتوفي أي قبض الأرواح من الأجساد - ( قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ) أي يسألهم رسل الموت حال كونهم يتوفونهم أين الذين كنتم تدعونهم غير اللّه في حال الحياة لقضاء الحاجات ودفع المضرات ؟ ادعوهم لينجوكم مما أنتم فيه الآن ( قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ ) أي قالوا غابوا عنا فلا نرجو منهم منفعة . واعترفوا بأنهم كانوا كافرين بدعائهم إياهم وزعمهم انهم عنده تعالى كاعوان الامراء والسلاطين ووزرائهم وحجابهم . جاهلين أن اللّه غني عن ذلك بإحاطة علمه وكمال قدرته وأن الملوك والامراء لا يستغنون عن الأعوان والمساعدين لجهلهم بأمور الناس وعجزهم عن معرفتها وقضائها بأنفسهم وقد تقدم مثل هذا في سورة الأنعام ( 6 : 21 - 24 و 94 و 95 ) وكل منهما مبتدأ بقوله تعالى ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) فيراجعان ففي تفسير كل منهما ما ليس في الآخر ولا هنا من الفوائد « 1 » وتقدم مثل هذا الاستفهام الانكاري في آخر آية ( 144 ) من الانعام أيضا وفسرنا الافتراء على اللّه فيها بمثل ما فسرناه هنا لمناسبة السياق « 2 » وتقدم أيضا مثل هذه الشهادة من الكفار على أنفسهم في آخر آية ( 129 ) منها « 3 » * * * ( قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ ) أي يقول اللّه تعالى أو أحد ملائكته بأمره يوم القيامة : لهؤلاء الكافرين ادخلوا مع أمم قد خلت ومضت من قبلكم من الجن والانس في النار . أو ادخلوا في ضمن أمم مثلكم قد سبقتكم كائنة في دار العذاب وقدم الجن لان شياطينهم مبتدئو الاضلال والاغواء لابناء جنسهم وللانس كما تقدم ( كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها ) هذا بيان لشيء من حالتهم في دخول النار الذي لا يمكن تخلفه بعد أمر اللّه تعالى به . أي كلما دخلت جماعة منهم في النار واستقبلت ما فيها من الخزي والنكال لعنت أختها في الدين والملة التي ضلت هي باتباعها والاقتداء بها في كفرها كما قال تعالى حكاية عن خليله ( 19 : 24 و يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ
--> ( 1 ) الأول في ص 342 والثاني في ص 622 ج 7 تفسير ( 2 ) ص 144 من هذا الجزء ( 3 ) ص 108 منه أيضا